مشكلات مصر كما هي منذ 70 عامًا… حصريًا تفاصيل أول مؤتمر اقتصادي في تاريخ مصر

By Mostafa on 2018-06-16
0 25 Views
Spread the love

مشكلات مصر لم تتغير منذ عقود، فقبل نحو 71 عاماً كان الاقتصاديون وأصحاب كبرى الشركات الوطنية والأجنبية في مصر على موعد من واحد من أهم الأحداث الاقتصادية التي شهدتها مصر في تاريخها الحديث، يوم 18 ابريل من عام 1946، حيث عُقد المؤتمر الاقتصادي الأول برعاية الملك فاروق حاكم مصر آنذاك، وذلك في مقر الجمعية الجغرافية الملكية بالقاهرة.

المؤتمر الذي لا يتذكره كثير من الساسة والاقتصاديين بسبب شيّطنة الفترة الملكية، طرح العديد من مشكلات مصر والقضايا الاقتصادية التي كانت تعاني منها البلاد أشد معناه في تلك الحقبة من الزمان، وربما مازالت تعاني الكثير منها…

والحقيقة أن المؤتمر لم يكن اقتصادياً فحسب، وإنما تطرق لجوانب أخرى مثل مشكلات الصحة والتعليم.

مشكلات مصر: الاعتراف بالفقر… والتنبؤ بالثورة!

مشكلات الفقر في مصر عمرها طويل، لم تكن مرتبطة بفترة معينة من تاريخ مصر، ربما اختلفت أشكال الفقر، وربما زادت حدته أو انخفضت بقليل، لكنه لا يغيب عن الواقع المصري.

اقرأ أيضًا: رفع أسعار البنزين والبوتاجاز… 3 استخدامات جديدة لمحطات البنزين!

فخلال مناقشات لجنة “مستوى المعيشة” بالمؤتمر، والتي ترأس أعمالها الدكتور محمود عزمي بك، نوقشت بشكلٍ صريح عوامل ومظاهر الفقر في ذلك الوقت، وتم التأكيد على انحطاط مستوى معيشة المواطن المصري، بدءً من أعماق قُرى الريف وحتى إلى جانب أفخم القصور، وفي أغنى الأحياء وأجمل شوارعها، حيث ينتشر الحُفاة ومظاهر التعاسة والقذارة ، والأجسام المنهوكة والوجوه الشاحبة، وأصحاب العلل النفسية والأمراض، أو كما جاء في وصف تقرير اللجنة ” تلك هي صورة سواد الشعب، شعب منهوك ومحروم”!

مشكلات مصر

مشكلات مصر

في الغالب هذه الصورة التي تم وصفها بشكلٍ صريح ودقيق عام 1946 لم تختفي من مصر حتى بعد قيام ثورة يوليو 1952، وحتى بعد الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، مروراً بعهد حسني مبارك والذي انتهى بثورة نادت بتخفيف حدّة الفقر وتحقيق عدالة اجتماعية.

واعتبرت اللجنة أن من أهم أسباب زيادة الفقر في مصر “قلة المقدرة الإنتاجية للبلاد، ضعف انتاج العامل، قلة الأجور، ازدحام السكان، قلة الأعمال المجزية، ضيق مجال الصناعة، عدم توحيد صفوف صغار المنتجين، وانحصار مساحة الأرض الزراعية.

وأضافت أن كل ذلك يرتبط حتماً بـ”انحطاط المستوى الصحي، ومستوى التعليم، وعدم عدالة الضرائب”.. هكذا كان الوضع في أربعينيات القرن الماضي، وهذا الوصف يصلح أيضاً ليكون متماشياً بشكلٍ كبير مع الواقع المصري، سواء حالياً أو سابقاً.

اللجنة اقترحت حلولاً للحد من أبرز مشكلات مصر ألا وهو “الفقر” مثل توزيع عادل للثروة، سواء بالنسبة للدخول أو الأراضي، واعترفت بأن دخل المواطن المصري هو الأقل بين دول العالم! فحين كان المزارع الأمريكي والبريطاني يحصلا على دخل سنوي ما يعادل 137 جنيه في ثلاثينيات القرن الماضي، كان المزارع المصري دخله لا يتجاوز الـ20 جنيهاً.

اقرأ أيضًا: المصريون باعوا جثث أجدادهم على الرصيف… قصة حقيقية وإليك تفاصيلها بالصور

فيما وصل دخل الصانع الأمريكي إلى 345 جنيه، ونظيره البريطاني إلى 374، في الوقت الذي كان يحصل فيه الصانع المصري على 40 جنيها، والصانع الفلسطيني على 83، والسوري 53.

مشكلات مصر

مشكلات مصر

“لا نريد ثورة كاسحة ماحقة، تنشر الفوضى وتؤدي إلى المآسي والنكبات، ولكن نريد ألا تكون أحوالنا المعيشية عرضة لتيارات الاضطرابات، وأن نتحصّن ضد النزعات المؤدية إلى الانفجارات الاجتماعية”.

هكذا عبَّر المؤتمر الاقتصادي الأول عن مخاوفه من تفاقم أزمات الفقر والفروق الساحقة بين الطبقات الاجتماعية في ذلك الوقت، وهي المخاوف التي ظلّت كما هي لسنوات أبعد من تلك الفترة، والتي تم ترجمتها في أحداث 18 يناير عام 1977، وما تلاها من أحداث شعبية كانت مرتبطة بشدة فقر المواطنين، وغياب التوزيع العادل للثروات.

مشكلات مصر: الاهتمام بصحة المواطن يدفع الاقتصاد إلى الأمام

من أهم المناقشات التي طرحها المؤتمر أيضاً، ما تم تناوله حول ضرورة الارتقاء بالرعاية الصحية وارتباط ذلك بتحسن مستوى المعيشة ودفع الاقتصاد للأمام، وأن تكون تلك الرعاية بأقل التكاليف الممكنة وبأفضل خدمة يستحقها المواطن.

اقرأ أيضًا: النصب في بيع القبور… احترس من السرقة في حياتك.. ومَماتك “تحقيق”

وطالب المؤتمر بوضع نظام طبي متكامل وتوفير الخدمات الطبية الضرورية مجاناً لكل محتاج، وذلك بهدف الارتقاء إلى مصاف الدول المتقدمة التي نفذت هذا النظام.. وقد نفذ هذا المقرح الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فيما بعد.

لكن الدولة لم تستطع الحفاظ على تقديم خدمة طبية مميزة في مراحل كثيرة، حتى تدهورت الكثير من المؤسسات العلاجية، وأصبحت مجانية الرعاية الصحية على المحك. 

مشكلات مصر: الانتقال من بلدٍ زراعي إلى دولة صناعية… محطة لم نغادرها حتى الآن!

من أهم لجان المؤتمر “لجنة الصناعة” والتي ترأس أعمالها حسين فهمي بك، اهتمت اللجنة بالحديث حول أهمية خروج مصر من دائرة البلد الزراعي إلى الاعتماد على الصناعة في الاقتصاد القومي، وأنه لابد من وضع خطط محكومة للعمل على خلق بيئة صناعية ملائمة وتطوير الحرف والصناعات التي يتوقع لها النجاح.

مشكلات مصر

مشكلات مصر

وعبّرت اللجنة عن مخاوفها من زيادة عدد سكان مصر في ذلك الوقت، “ربما لم يتجاوز تعداد السكان وقتها الـ20 مليون!”، وأن هذه الزيادة تعتبر عبئاً على الموارد الطبيعية، وتزيد من حدّة انخفاض مستوى الدخل، ولذلك لابد من استغلال الطاقة البشرية في العملية الإنتاجية كما هو حاصل في بريطانيا وبلجيكا آنذاك.

وأشار تقرير اللجنة إلى حال دول شرق آسيا في ذلك الوقت، حيث زيادة في كثافة السكان، وتآكل للموارد، مع قلة الاعتماد على الصناعة، لكن يبدو أن هذه المقارنة أصبحت في صالح معظم تلك الدول وخاصةً تايلاند وسنغافورة بعد أن حققا معدلات نمو وتطور اقتصادي لم نستطع تحقيقه إلى الآن.

اقرأ أيضًا: 9 كليات قمة في مصر… تعرف عليهم وعلى شروط الالتحاق بهم

المقترحات التي قدمتها اللجنة للنهوض بالصناعة في مصر خلال حقبة الأربعينيات، قد تصلح أن نناقشها اليوم أيضاً! فيبدو أن المعوقات لم تختلف عن الماضي، والحلول التي تم مناقشتها قبل 71 عاماً، نوقشت في أورقة كثير حتى خلال السنوات الأخيرة…

مثلا اقترحت اللجنة أن يكون هناك سخاء في الأنفاق على البحوث الصناعية ونشر نتائج هذه البحوث، وتدعيم ما يُسمى وقتها بـ”مصلحة الصناعة” بالخبراء الصناعيين القادمين من الخارج، وإصدار قانون للغرف الصناعية، وإقامة معارض في كل أرجاء البلاد وخاصة في الأقاليم والريف للترويج للمنتجات المصرية.

كما اقترحت اللجنة بتخفيف الرسوم الجمركية على استيراد الآلات والخامات المستوردة، وتوفير أراضي للإيجار الرمزي، مع تخفيض أجور النقل لكل ما يخص الصناعة.

مشكلات مصر: النهوض بالاقتصاد يبدأ من المدارس

اهتم المؤتمر الاقتصادي الأول بمناقشة موضوعات التعليم، وخاصةً التعليم الفني، والذي بدأه محمد علي باشا بإنشاء المدارس الصناعية، وهو ما اعتبرته لجنة “سياسة التعليم الفني” برئاسة محمد حمدي بك جانباً يحتاج لتطوير كبير لدعم الاقتصاد الوطني.

ومن أهم النقاط التي طرحتها اللجنة للمناقشة “ربط سياسة التعليم الفني والهيئات المشرفة عليه بدوائر الأعمال الصناعية والمالية والزراعية”، وهو المطلب الذي لم يغب عن أي نقاشات تناولت فكرة ربط التعليم بمتطلبات الاقتصاد حتى الآن.

مشكلات مصر

وطالبت اللجنة أيضاً بضرورة العناية باختيار الطلبة وتوجيههم حسب استعدادهم وميولهم، والأمر الذي حاولت الحكومات المتعاقبة خلال 71 سنة تنفيذه، لكن لم يأت بأي ثمار تفيد في تطور الاقتصاد.

مشكلات مصر: الطرق والنقل تاريخ حافل بالأزمات

تناول المؤتمر مشاكل الطرق والنقل، وخاصةً السكة الحديد والنقل النهري، حيث أشارت لجنة النقل برئاسة رمسيس شافعي بك إلى ضرورة الاهتمام بنهر النيل والترع كوسائل غير مكلفة لنقل البضائع ولتيسير حرقة التجارة، مع ضرورة زيادة عدد الموانئ النهرية لتسهيل عمليات الشحن، والعمل على توافر المياه في الترع لتتمكن الملاحة الداخلية من أداء خدمتها طول أيام السنة.

ومع بدء عمليات ردم ترعة المحمودية بالإسكندرية قبل أيام قليلة ندرك أن موضوع الاهتمام بالنقل المائي لم يتحقق حتى بعد مرور عشرات السنوات، فنهر النيل نفسه لم يعد جاذباً للمستثمرين لنقل بضائعهم، وهو ما يدفع بالكثيرين إلى الطرق البرية التي تزيد من تكاليف الشحن بسبب ارتفاع أسعار الوقود، وتزيد من أعباء المصروفات الحكومية بسبب التركيز على شق طرق جديدة وتوسعة وتطوير الطرق القديمة بصفة مستمرة.

وطالبت اللجنة بفصل ميزانية السكة الحديد عن ميزانية الحكومة، وهو ما حدث فعلاً بعد سنوات عندما أنشئت هيئة خاصة بالسكة الحديد، وهي الهيئة المعروفة اليوم.

كما طالبت بضرورة أن يحصل الجمهور على خدمة نقلية كافية في كل مكان في أرجاء البلاد بأقل كلفة ممكنة، وهو ما لم تستطع الحكومات المتعاقبة تحقيقه إلى الآن، فمازالت الجمهورية بها مناطق وقرى ومدن تفتقر لوسائل النقل، مما يدفع المواطنين للاعتماد على وسائل مختلفة مثل استخدام ظهور عربات النقل في التنقل، وربما انتشار التوكتوك أكبر دليل على تدهور أحوال المواصلات التي كان المؤتمر الاقتصادي الأول ينادي بتحسينها.

دكتور رضا العِدل: المؤتمر استجابة لانتفاضة شعبية بعد الحرب العالمية الثانية

الدكتور رضا العدل أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، اعتبر أن هذا المؤتمر الاقتصادي هو الأهم في تاريخ مصر وأنه على كل من يدرس اقتصاد في مصر أن يعود لهذا المؤتمر، وترجع أهميته لعمق النقاشات والقضايا التي طرحها.

مشكلات مصر

وأوضح أنه التقى وهو في مرحلة الدراسة بالجامعة بعددٍ من أبرز الذين حضروا ذلك المؤتمر، مثل دكتور الراحل وهيب مسيحة أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، وكذلك الدكتور أحمد أبو إسماعيل والذي تم تعينه وزيراً للمالية في عهد السادات عام 1976.

وعن المؤتمر يقول العدل: “نحن أمام مجموعة من المفكرين المصريين، والذي تحولوا فيما بعد إلى قيادات اقتصادية معروفة ووزراء في حكومات مختلفة، تجاوبوا عام 1946 مع النهضة العالمية والانتفاضة الشعبية التي سادت البلاد خلال تلك الفترة، التي تزامنت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث كانت مظاهرات الطلبة والعمال تنتشر في أرجاء البلاد”.

وأضاف أستاذ الاقتصاد أنه في نهاية المؤتمر تم تشكيل لجنة لمتابعة تنفيذ مقترحات المؤتمر، وضمت كبار الشخصيات الاقتصادية والرسمية في ذلك الوقت، على رأسهم علي باشا ماهر الذي تولى رئاسة الحكومة 4 مرات وحتى قيام ثورة يوليو.

ويرى العِدل أن جمال عبدالناصر هو أكثر من استفادوا من نتائج هذا المؤتمر، حيث حاول أن يأخذ منه ما يصلح للتنفيذ، مثل توزيع الثروات، والاهتمام بالتعليم الفني وتطوير النقل والطرق، لكن نكسة 1967 أدت لانتكاسة اقتصادية، ثم جاء عهد السادات، ومن ثم الانفتاح الاقتصادي وقلة الاعتماد على المنتج المحلي، وشق المصريون طريقهم إلى الهجرة للدول العربية.

ويعتبر العِدل أن هذه الهجرة كانت في صالح مصر في ذلك الوقت، خاصةً وأن الموارد الطبيعية كانت بدأت تتآكل بالتزامن مع زيادة عدد السكان وقلة الإنتاج وانخفاض مستوى المعيشة وتدهور المؤسسات التعليمية والصحية والصناعية، ولولا هذه الهجرة لكان انفجار شعبي ضخم التهم الأخضر واليابس.